العز بن عبد السلام

13

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

وانحصرت الإساءة في جلب المفاسد الخالصة أو الراجحة ، وفي دفع المصالح الخالصة والراجحة " 1 " .

--> ( 1 ) قال الإمام المحدث الفقيه سلطان العلماء عز الدين بن عبد السّلام في بيان حقيقة المصالح والمفاسد : المصالح أربعة أنواع : اللّذات وأسبابها ، والأفراح وأسبابها ، والمفاسد أربعة أنواع : الآلام وأسبابها ، والغموم وأسبابها ، وهي منقسمة إلى دنيوية وأخروية . فأما لذّات الدنيا وأسبابها وأفراحها وآلامها وأسبابها ، وغمومها وأسبابها ، فمعلومة بالعادات ، ومن أفضل لذّات المعارف وبعض الأحوال ، ولذات بعض الأفعال في حق الأنبياء والأبدال ، فليس من جعلت قرة عينه الصلاة ، كمن جعلت الصلاة شاقة عليه ، وليس من يرتاح إلى إيتاء الزكاة كمن يبذلها وهو كاره لها . وأما لذات الآخرة وأسبابها وأفراحها وأسبابها ، وآلامها وأسبابها وغمومها وأسبابها ، فقد دلّ عليه الوعد والوعيد ، والزجر والتهديد . وأما اللذات فمثل قوله : وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ " وقوله : " و يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ . فائدة : سعى الناس كلهم في جانب الأفراح واللّذات ، وفي درء الغموم المؤلمات ، فمنهم من يطلب الأعلى من ذلك فالأعلى ، وقليل ما هم ، ومنهم من يقتصر على طلب الأدنى ، ومنهم الساعون في المتوسطات ، والقدر من وراء سعي السعادة ، وكل متسبب في مطلوبه ، فمن بين ظافر وخائب ، ومغلوب وغالب ، ورابح وخاسر ، ومتمكن وحاسر ، كلهم يتقلبون وإلى القضاء ينقلبون ، فمن طلب لذات المعارف والأحوال في الدنيا ، ولذة النظر والقرب في الآخرة ، فهو أفضل الطالبين ، لأن مطلوبه أفضل من كل مطلوب ، ومن طلب نعيم الجنة وأفراحها ولذاتها فهو في الدرجة الثانية ، ومن طلب أفراح هذه الدّار ولذاتها فهو في الدرجة الثالثة ، ثم يتفاوت هؤلاء الطلاب في رتب مطلوباتهم ، فمنهم الأعلون والأدنون والمتوسطون ، فأما طلاب الآخرة فاقتصروا من طلب لذات الدنيا وأفراحها على ما يدفع الحاجة أو الضرورة واشتغلوا بمطالب الآخرة ، ولن يصل أحد منهم إلا إلى ما قدر له ، وقد عزّ بعضهم أنهم أدركوا بعض ما طلبوا ، فظنوا أنهم نالوا ذلك بحزمهم وقواهم ، فخابوا ونكصوا ، ووكلوا إلى أنفسهم فهلكوا ، ومنهم من واظب أنه لا ينال خيرا إلا بتوفيق اللّه ، ولا ينال خيرا إلا بإرادة اللّه فهؤلاء لا يزالون في زيادة ؛ لأن الطاعات والمعارف والأحوال إذا دامت أدّت إلى أمثالها وإلى أفضل منها . وعلى الجملة ، فمن أقبل على اللّه أقبل اللّه عليه ، ومن أعرض عن اللّه أعرض اللّه عنه ، ومن تقرب إلى اللّه شبرا تقرّب منه ذراعا ، ومن تقرّب منه ذراعا تقرّب منه باعا ، ومن مشى إليه هرول إليه ، ومن نسب شيئا إلى نفسه فذل وضل ، ومن نسب الأشياء إلى خالقها المنعم بها كان في الزيادة لأنه تعالى قال : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ( إبراهيم : 7 ) ، وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( آل عمران : 145 ) . وانظر : قواعد الأحكام في مصالح الأنام ( ص 12 ، 13 ) ط مؤسسة الريان - بيروت .